الشيخ أحمد فريد المزيدي

124

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

وقال : المشاهدة اطلاع القلب بصفاء اليقين إلى ما أخبر الحق عن الغيب . وقال : السّكر غليان القلب عند معارضات ذكر المحبوب . وقال : الزهد البرم بالدنيا ، ووجود الراحة في الخروج منها . وقال : القرب طي المسافات بلطيف المداناة . وقال مرة أخرى وسئل عن القرب : قربك منه بملازمة الموافقات ، وقربه منك بدوام التوفيق . وقال : الوصلة من اتصل بمحبوبه عن كل شيء ، وغاب عن كل شيء سواه . وقال : الدنف من احترق في الأشجان ومنع من بث الشكوى . وقال : الانبساط الاحتشام عند السؤال . ودخل عليه فقير فشكى إليه أن به وسوسة ، فقال : عهدي بالصوفية يسخرون من الشيطان ، فالآن الشيطان يسخر بهم . وقيل له : متى يصح للعبد العبودية ؟ فقال : إذا طرح كله على مولاه وصبر معه على بلواه . وسئل عن إقبال الحق على العبد ؟ فقال : علامته إدبار الدنيا عن العبد . وسئل عن الذكر ؟ فقال : المذكور واحد ، والذكر مختلف ، ومحل قلوب الذاكرين متفاوتة ، وأصل الذكر إجابة الحق من حيث اللوازم ، لقوله : « من أطاع اللّه فقد ذكر اللّه » وإن قلّت صلاته وصيامه وتلاوته ، ثم ينقسم الذكر قسمين ظاهرا وباطنا ، فالظاهر التهليل والتحميد والتمجيد وتلاوة القرآن ، والباطن تنبيه القلوب على شرائط التيقظ على معرفة اللّه وأسمائه وصفاته وأفعاله ونشر إحسانه وإمضاء تدبيره ، ونفاذ تقديره على جميع خلقه ثم يقع ترتيب الأذكار على مقادير الذاكرين ، فيكون ذكر الخائفين على مقدار قوارع الوعيد ، وذكر الراجين على ما استبان لهم من موعده وذكر المخبتين على قدر تصفح النعماء ، وذكر المراقبين على قدر العلم باطلاع اللّه تعالى إليهم ، وذكر المتوكلين على ما انكشف لهم من كفاية الكافي لهم ، وذلك مما يطول ذكره ويكثر شرحه ، فذكر اللّه تعالى منفرد وهو ذكر المذكور بانفراد أحديته عن كل مذكور سواه ، لقوله عن ربّه : « من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي » والأصل إفراد النطق بألوهيته لقوله : « أفضل الذكر لا إله إلا اللّه » .